فخر الدين الرازي
659
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً وذلك من وجهين الأول : أن الفاء في قوله : فَأُدْخِلُوا ناراً تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة ، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني : أنه قال : فَأُدْخِلُوا على سبيل الإخبار عن الماضي . وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك ، قال مقاتل والكلبي : معناه أنهم سيدخلون في الآخرة نارا ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة كونه وصدق الوعد به كقوله : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ [ الأعراف : 50 ] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 44 ] واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل . فإن قيل : إنما تركنا هذا الظاهر لدليل ، وهو أن من مات في الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال : إنهم في تلك الساعة أدخلوا نارا ؟ والجواب : هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجودا من أول عمره ، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره ، ثم إن أجزاءه دائما في التحلل والذوبان ، ومعلوم أن الباقي غير / المتبدل ، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باق من أول عمره إلى الآن ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن بقيت هذه الجثة في الماء إلا أن اللّه تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية الباقية التي كان الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب . ثم قال تعالى : فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً وهذا تعريض بأنهم إنما واظبوا على عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع إليهم ، فلما جاءهم عذاب اللّه لم ينتفعوا بتلك الأصنام ، وما قدرت تلك الأصنام على دفع عذاب اللّه عنهم ، وهو كقوله : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا [ الأنبياء : 43 ] واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شيء غير اللّه تعالى . [ سورة نوح ( 71 ) : آية 26 ] وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) قال المبرد : دَيَّاراً لا تستعمل إلا في النفي العام ، يقال : ما بالدار ديار ولا تستعمل في جانب الإثبات ، قال أهل العربية : هو فيعال من الدور ، وأصله ديوار فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى ، قال الفراء والزجاج : وقال ابن قتيبة : ما بها ديار أي نازل دار . ثم قال تعالى : [ سورة نوح ( 71 ) : آية 27 ] إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) فإن قيل : كيف عرف نوح عليه السلام ذلك ؟ قلنا : للنص والاستقراء ، أما النص فقوله تعالى : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 35 ] وأما الاستقراء فهو أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف طباعهم وجربهم ، وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه ويقول : احذر هذا فإنه كذاب ، وإن أبي أوصاني بمثل هذه الوصية ، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك ، وقوله : وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً فيه وجهان : أحدهما : أنهم يكونون في علمك كذلك والثاني : أنهم سيصيرون كذلك . [ سورة نوح ( 71 ) : آية 28 ] رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 ) واعلم أنه عليه السلام لما دعا على الكفار قال بعده : رَبِّ اغْفِرْ لِي أي فيما صدر عني من ترك